أحمد بن علي القلقشندي

166

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالفنون التي يحتاج إليها الكاتب ، مشتملا على التقدّم في الفصاحة والبلاغة ، قويّ الحجة في المعارضة ، واسع الباع في الكلام بحيث يقتدر بملكته على مدح المذموم وذم المحمود وصرف عنان القول إلى حيث شاء ، والإطناب في موضع الإطناب ، والإيجاز في موضع الإيجاز ؛ فإنه أجلّ كتّاب الديوان ، وأرفعهم درجة لأنه يتولَّى الإنشاء من نفسه ، وتلقى إليه الكلمة الواحدة والمعنى المفرد فينشىء على ذلك كلاما طويلا ، ويأتي منه بالعبارة الواسعة ، وهو لسان الملك المتكلم عنه ، فمهما كان كلامه أبدع ، وفي النفوس أوقع عظمت رتبة الملك ، وارتفعت منزلته على غيره من الملوك . وهو الذي ينشئ العهود والتقاليد في الولايات والكتب في الحوادث الكبار ، والمهمّات العظيمة التي تتلى فيها الكتب على صياصي ( 1 ) المنابر ورؤوس الأشهاد : فقد حكي أن يزيد بن الوليد كتب إلى إبراهيم بن الوليد ، وقد همّ بالعصيان : أما بعد فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيهما شئت والسلام ؛ فكان سببا لإقلاعه عما همّ به . الثاني - كاتب يكتب مكاتبات الملوك عن ملكه ؛ وقد شرط فيه مع ما شرط في المتصدّي للإنشاء المتقدم ذكره - إن كان هو الذي ينشئ المكاتبات بنفسه عن الملك - أن يكون على دين الملك الذي يكتب عنه ومذهبه ؛ لما يحتاج إليه في مكاتبة الملك المخالف من الاحتجاج على صحة عقيدته ، ونصرة مذهبه ، وإقامة الدلائل على صحة ذلك ، ولن يحتجّ للملة أو المذهب من اعتقد خلافه بل المخالف إنما تبدو له مواضع الطعن لا مواضع الحجاج . وكذلك أن يكون من علَّو الهمّة ، وقوّة العزم ، وشرف النفس بالمحلّ الأعلى ، والمكان الأرفع ؛ فإنه يكاتب عن ملكه ، وكل كاتب فإنه يجرّه طبعه وجبلَّته وخيمه ( 2 ) إلى ما هو عليه من الصفات . فكلما كان الكاتب أقوى جانبا وأشدّ عزما وأعلى همة ، كان على التفخيم والتعظيم ، والتهويل والترغيب والترهيب أقدر ،

--> ( 1 ) الصياصي في اللغة هي الحصون . وصياصي المنابر أعلاها حيث يقف الخطيب . ( 2 ) الخيم : السجيّة والطبيعة .